علي بن محمد البغدادي الماوردي

58

أدب الدنيا والدين

وضن « 1 » بما منح ويبتدئ من العلم بأوّله ويأتيه من مدخله ولا يتشاغل بطلب ما لا يضر جهله فيمنعه ذلك من إدراك ما لا يسعه جهله فإن لكل علم فضولا مذهلة وشذورا « 2 » مشغلة إن صرف إليها نفسه قطعته عما هو أهم منها . وقال ابن عباس رضي اللّه عنهما : العلم أكثر من أن يحصى فخذوا من كل شيء أحسنه . وقال بعض الحكماء : بترك ما لا يعنيك يتم لك ما يعنيك . ولا ينبغي أن يدعوه ذلك إلى ترك ما استصعب عليه إشعارا لنفسه أن ذلك من فضول علمه وإعذارا لها في ترك الاشتغال به فإن ذلك مطية النوكى « 3 » وعذر المقصرين ومن أخذ من العلم ما تسهل وترك منه ما تعذر كان كالقانص « 4 » إذا امتنع عليه الصيد تركه فلا يرجع إلا خائبا إذ ليس يرى الصيد إلا ممتنعا كذلك العلم طلبه صعب على من جهله سهل على من علمه لأن معانيه التي يتوصل إليها مستودعة في كلام مترجم « 5 » عنها وكل كلام مستعمل فهو يجمع لفظا مسموعا ومعنى مفهوما فاللفظ كلام يعقل بالسمع والمعنى تحت اللفظ يفهم بالقلب . وقد قال بعض الحكماء : العلوم مطالعها من ثلاثة أوجه قلب مفكر ولسان معبّر وبيان مصوّر فإذا عقل الكلام بسمعه فهم معانيه بقلبه وإذا فهم المعاني سقط عنه كلفة استخراجها وبقي عليه معاناة حفظها واستقرارها لأن المعاني شوارد « 6 » تضل بالاغفال « 7 » والعلوم وحشية « 8 » تنفر بالارسال فإذا حفظها بعد الفهم أنست وإذا ذكرها بعد الأنس رست « 9 » . وقال بعض

--> ( 1 ) ضنّ : الضنّة ، شدة البخل كالشح . ( 2 ) شذورا : جمع شذر ، وهو قراضة ذهب تلتقط من المعدن أراد بها النوادر التي قلما ينفع علمها . ( 3 ) النوكي : الحمقى . جمع أنوك . ( 4 ) كالقانص : كالصياد . ( 5 ) مترجم : مفسّر ومبيّن . ( 6 ) شوارد : نوافر . ( 7 ) بالإغفال : بالترك . ( 8 ) وحشية : غير مستأنسة ، والارسال : الاطلاق وعدم التقيد . ( 9 ) رست : من رسا الشيء يرسو إذا ثبت .